مقتطفات من كتاب (نزاع الصحراء الغربية بين المغرب والبوليساريو).

-          المؤلف: طاهر سعود.

-          الطبعة الأولى 1998.

-          تنفيذ (دار المختار) للطباعة – دمشق.

-          مكتبة الأسد 1- 41/ 961 س ع و ن.

   (( الفصل الأول:

           جذور الصراع

      أصبحت قضية الصراع الدائر بين المملكة المغربية وجبهة (البوليساريو) للسيطرة على إقليم الصحراء الغربية- المستعمرة الإسبانية السابقة- تشكل بين قضايا القارة الإفريقية، النزاع الأطول والأهم.. تلك المشكلة العائدة في أصولها إلى الحقبة الاستعمارية، لا تزال تنتظر الحل النهائي من الأمم المتحدة. وكان أبرز ما حققته المنظمة الأممية في مسعاها السلمي بالصحراء الغربية، تمكنها في العام 1991 من إقناع الطرفين المتحاربين بوقف إطلاق النار، واستمر التزامهما به قائماً حتى الآن.

     هذا، وكانت حرب التنازع بين المغرب و(البوليساريو) قد اندلعت في العام 1975 على أثر انسحاب المستعمرين الإسبان من الصحراء الغربية.  تلك البقعة الصحراوية من الأرض، يعتبرها المغرب جزءاً لا يتجزأ من ترابه الوطني، بينما تتمسك (البوليساريو)- حركة التحرير الوطني- بها ، وتطالب باسم سكانها الأصليين بالاستقلال وتقرير المصير؛ طبقاً للقرار الأممي 1514 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في الرابع عشر من كانون الأول (ديسمبر) 1960، والقاضي بمنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة.

     ومن مفارقات تلك القضية، أن المغرب نفسه يطالب بتطبيق ذات القرار لصالحه على الصحراء الغربية. معتمداً عليه من بين حججه في تأكيد أحقيته (باسترجاع) المنطقة.. حيث يتضمن القرار المذكور بنداً ينص على أن المستعمرة التي كانت قبل فترة استعمارها تشكل جزءاً من دولة أخرى، لا يطبق عليها مبدأ تقرير المصير؛ إذ تلحق مباشرة بالدولة الأم. ويريد المغرب تطبيق هذا البند على الصحراء الغربية. وحول هذه النقطة، يعلق السيد جورج جوفي- مدير الدراسات في المعهد الملكي للشؤون الدولية بلندن- في بحث قدمه إلى كلية (سانت أنتوني) في الرابع عشر من آذار (مارس) 1997 تحت عنوان: (البوليساريو، والصحراء الغربية)؛ حيث يقول: (إن اعتماد المغرب على القرار الأممي رقم  1514لتبرير سيطرته على إقليم الصحراء الغربية يعني تجاهل المضمون الحقيقي لنص القرار المذكور.. حيث كان الهدف منه أن يطبق فقط على أجزاء صغيرة من الأراضي، وليس على منطقة في حجم الصحراء الغربية. وإن نظام الحكم المغربي الإسلامي التقليدي قبل الإستعمار كان يعتمد في ممارسة نفوذه على فرض السيادة على الشعب، وليس على الأرض. ومسألة ما إذا كان الفرد مصنفاً بإعتباره مغربياً في إطار هذا النظام، كانت تعتمد على الولاء للسلطة المغربية، وليس بالضرورة على المكان الموجود فيه. وهذا يتعارض مع القانون الدولي الحديث الذي تعتمد السيادة فيه مبدأ السيطرة على الأرض).

     وهناك قضية أخرى تجرد المطالب المغربية من قيمتها في نظر القانون الدولي، الذي يربط تصفية الإستعمار بمبدأ احترام الحدود الموروثة عن الإستعمار (UTI POSSIDETIS JURIS).. ففي قضايا تصفية الإستعمار، يأخذ القانون الدولي دائماً بالحدود الترابية الموروثة عن الإستعمار، ويرفض المساس بها. ومن (سوء حظ) المغاربة، أن لإقليم الصحراء الغربية حدوده المرسمة استعمارياً، والمعترف بها دولياً، إذ كانت اتفاقية عام 1912 الموقعة بين فرنسا وإسبانيا (الدولتان المستعمرتان)، قد رسمت حدود الإقليم الصحراوي مع المملكة المغربية.. وكانت منظمة الوحدة الإفريقية قد تبنت هذا المبدأ وأقرته في المادة الثالثة من ميثاقها (..) إن ترجيح الحجج التاريخية في قضية تصفية الإستعمار يقتصر على  حالة وحيدة، هي أن يتوافق مطلب الحق التاريخي مع إرادة السكان المعنيين، ورغباتهم. فالقانون الدولي يغلب الحق الراهن لشعب المستعمرة في تقرير مصيره على الحق التاريخي. ورأيه في ذلك أن (السكان هم الذين يقررون اليوم مصير إقليم ما، وليس الإقليم هو الذي يقرر مصير سكان ما ).. وكان العالم العربي قد عرف حالات ثلاث تمثل نموذجاً واضحاً لهذه الوضعية. الحالة الأولى كانت انفصال السودان عن مصر، والثانية استقلال جزر القمر عن مدغشقر، وأما الثالثة فهي انسلاخ الإمارات العربية عن سلطنة عُمان.. ففي الحالة الأولى، كان السودان يشكل جزءاً من الدولة المصرية منذ العام 1520، ودامت هذه التبعية طوال فترة حكم الإستعمار البريطاني على مصر والسودان. وقد اعترفت سلطات الإستعمار بحق مصر في ملكيتها لأقاليم السودان؛ وهو ما عبرت عنه اتفاقيتا (كرومر) الموقعتين بين السلطات المصرية وسلطات الإستعمار البريطاني. وكدليل على السيادة المزدوجة المصرية- البريطانية، كان العلم المصري مرفوعاً في جميع أنحاء أقاليم السودان إلى جانب العلم البريطاني. لكن، عندما أعلن عن انتهاء فترة الوصاية البريطانية على مصر، ترك شأن السيادة في السودان بيد سكانه (..) فقد غلب مبدأ تقرير المصير على حجج مصر القانونية (..) وفي عهدها الجمهوري، اعترفت الدولة المصرية بحق تقرير المصير للسودان في اتفاقية (القاهرة) الموقعة بين الحكومتين المصرية والبريطانية في الثاني عشر من شباط (فبراير) 1953. وما حدث لمصر والسودان ينطبق على حالة أرخبيل جزر القمر ومدغشقر؛ فقد كانت جزر القمر قبل خضوعها لسيطرة الإستعمار الفرنسي إحدى توابع مملكة الهوغا (مدغشقر) خلال القرن التاسع عشر. وقد منح الفرنسيون سكان الأرخبيل حق تقرير المصير، بموجب اتفاقية (باريس) عام 1973، وهو ما أدى إلى استقلال جزر القمر في الثاني والعشرين من كانون الأول (ديسمبر) 1974، وأصبحت دولة حرة ذات سيادة مستقلة. ولا يختلف كثيراً أمر سلطنة عُمان ودولة الإمارات العربية المتحدة عن الحالتين السابقتين. إذ كانت الإمارات العربية تشكل جزءاً حياً من سلطنة عُمان، إلا أن الإستعمار البريطاني لدى انسحابه من منطقة الخليج العربي عام 1971، فصل ذلك الجزء نهائياً عن الوطن الأم، ليخلق منه دولة منافسة، وليضعف بالمقابل الدولة العُمانية العريقة (..) لقد كان للملك الحسن الثاني من المهارة والذكاء، ما مكنه من فرض إرادته على مسار عملية تصفية الإستعمار في الصحراء الغربية، على حساب شرائع القانون الدولي؛ بحيث استطاع تجميد تطبيق مبدأ تقرير المصير والاستقلال على إقليم الصحراء الغربية، عبر قيامه ببعض الإجراءات الناجحة، كان من بينها إحالة المشكلة الصحراوية إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي للبت بها. وهو- بهذا التصرف – قد شتت الجهود القائمة لمنح شعب الإقليم الصحراوي استقلاله, ووجه الأمر نحو وضعية جديدة من التنازع هي تفسير وتأويل رأي المحكمة الدولية. وهنا دخلت قضية الصراع الصحراوي متاهات الألاعيب القانونية التي يجيد المغاربة التعامل معها جيداً. وقد زاد من تعقيدات القضية طبيعة الأجوبة الفضفاضة التي أعطتها المحكمة في رأيها الاستشاري. وبذلك انحرف الاهتمام عن الجوهر إلى الهامش في تلك القضية.

     وعلى أساس حكم محكمة لاهاي هذا, نفذ المغرب تظاهرته الشهيرة (المسيرة الخضراء), التي أقتحم من خلالها مئات الآلاف من المواطنين المغاربة العزل الحدود الفاصلة بين مملكتهم وإقليم الصحراء الغربية, واجتاحوا العديد من المواقع الصحراوية, مطالبين بـ (استعادة) الإقليم المحتل إلى وطنهم (المغرب), وبدا الأمر على أنه مطلب شعبي عارم .. وقد أفضت (المسيرة الخضراء) إلى توقيع اتفاقية بين الحكومتين المغربية والإسبانية عرفت باسم (اتفاقية مدريد الثلاثية), ودخلت فيها موريتانيا كشريك مؤقت. وبمقتضى هذه الإتفاقية, تخلت إسبانيا للدولتين المذكورتين عن مستعمرتها الصحراوية.

     ومن الناحية القانونية, فإن تلك الإتفاقية لا تحمل الصفة الشرعية, بإعتبار أن صلاحيات إسبانيا (الدولة التي تستعمر الإقليم) لا تخولها حق التصرف بأرض الإقليم على هذا النحو, ولا تملك التفويض بذلك. إذ تقتصر سلطاتها على الإدارة فقط.

     وقد أتخذ المغاربة اتفاقية مدريد الثلاثية كوثيقة دولية أسسوا عليها المبرر (القانوني)  لدخول جيشهم إلى الصحراء الغربية. وهذا التصرف من قبل المغرب يعتبر في نظر القانون الدولي عملاً حربياً (عدائياً)؛ وهو ما ينص عليه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 المتخذ في الرابع عشر من كانون الأول (ديسمبر) 1974.

     أما (البوليساريو), على الطرف الآخر, فلم تكن ذلك الخصم السهل الذي يمكن اعتباره خارج الحسابات, بل إنها في مواجهتها للمغرب ظهرت كندٍ قوي تصعب هزيمته, واستطاعت بآلية تحركها المنظمة أن تقلق جيش المملكة, وأن تحرج ديبلوماسيتها العريقة.. وقد حققت (البوليساريو) نجاحات ملموسة على صعد عدة.. حيث أقدمت في السابع والعشرين من شباط (فبراير) 1976 على الإعلان عن قيام (الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية) في توقيت تزامن مع خروج الإستعمار الإسباني نهائياً من المنطقة. وقد أعطى هذا العمل للجبهة الصحراوية صفة دولية رسمية, خاصة بعدما حظيت الدولة الوليدة بإعتراف عدد كبير من دول العالم. وحصلت على عضوية دائمة في منظمة الوحدة الإفريقية (..) وعلى صعيد الصراع السياسي بين الطرفين، كانت الديبلوماسية المغربية قد عمدت إلى محاولة عزل وإحتواء جبهة (البوليساريو) داخل الوسط العربي، فتحركت عبر محورين ، الأول بإتجاه الدول المحافظة, والثاني نحو الدول القومية (الوحدوية). وتوجهت لكل طرف منهما بلغة خاصة. فأمام المحافظين, ركز المغاربة على إظهار (البوليساريو) بإعتبارها جماعة يسارية ثورية , تسعى لإقامة دولة لها في الصحراء الغربية, تكون قاعدة ومنطلقاً للمد الشيوعي المكروه في المنطقة.. أما إلى القوميين العرب, فقد غلبت لهجة التأثير العاطفي على الخطاب المغربي الموجه إليهم. حيث صورت جبهة (البوليساريو) على أنها حركة (انفصالية)، غايتها الإنسلاخ عن المغرب, وإنشاء كيان دولة مصطنعة فوق جزء من التراب الوطني المغربي. ويأتي هذا العمل – بحسب المنطق المغربي- تنفيذاً لمخطط استعماري تخريبي يجري عبره تفتيت وحدة (أقطار الوطن العربي), وتجزئتها إلى دويلات صغيرة ومتناحرة..

      وقد لاقت سياسة المغرب تلك تفهماً ومساندة من الدول العربية المحافظة, لكنها فشلت مع الدول العربية القومية في تحقيق غاياتها, رغم البراعة التي أدار بها المغاربة حملتهم الهادفة إلى تشويه صورة خصمهم الصحراوي, بل إن هذه الدول القومية لم تجد حرجاً في الاعتراف بالجمهورية الصحراوية.. فها هو القائد الليبي الشهير العقيد معمر القذافي – وهو من أشد الداعين لتحقيق الوحدة بين (الأقطار) العربية- يعطي المبرر لقيام الدولة الصحراوية، ويوضح موقفه من هذه المسألة في كلمة ألقاها يوم السادس عشر من كانون الأول (ديسمبر) 1978؛حيث يقول: (نحن نعلم أن الساقية الحمراء ووادي الذهب.. التي نقصدها بهذه العبارة أن هذا الشعب صغير في عدده.. ولكن ليس هو الشعب الوحيد الذي يعترف باستقلاله فوق الكرة الأرضية ويحتل مقعداً في الأمم المتحدة.. فهناك شعوب أخرى صغيرة ودويلات مجهريه في الوطن العربي, وخارج الوطن العربي.. نحن كنا نود أن تتم الوحدة في المغرب العربي, ولكننا لسنا بمسيطرين على المكافحين هناك بأن ينضموا إلى هؤلاء أو هؤلاء, فذلك اختيارهم. هم أدرى بتقرير مصيرهم, ولكننا في ذات الوقت علينا أن نرفض بشكل صريح اجتياح أي جماعة من البشر باعتبارهم قطيع من الغنم, ونرفض امتهان الإنسان العربي. الذي يجري الآن هو امتهان واضح لمجموعة من الأمة العربية؛ وهي أبناء الصحراء الغربية).

      لقد عمد الإعلام المغربي, بإمكاناته الضخمة – والذي هو انعكاس للسياسة الرسمية في المغرب- إلى طرح قضية نزاع الصحراء الغربية على أنها مشكلة ثنائية تخص المغرب والجزائر وحدهما, دون الاعتراف بحقيقة كون جبهة (البوليساريو) هي الطرف الخصم المقابل للمغرب, واعتبارها (شرذمة من المرتزقة)!! لملمتهم الجزائر من بقاع شتى من العالم، وجمعتهم في أراضيها لتخلق للمغرب بهم مشكلة دائمة!!. (..) إن إصرار الإعلام المغربي على القول بثنائية النزاع في الصحراء الغربية بين المغرب والجزائر, واعتبار (البوليساريو) من بين أدوات الحرب الجزائرية ضد المغرب, قد دفع بماكينة الإعلام الجزائرية إلى الرد بحملة مضادة لمواجهة الطروحات المغربية المبنية على ما أسماه الجزائريون (مغالطات, وأكاذيب النظام المغربي). (..) وقد حدد الجزائريون موقفهم من النزاع الصحراوي على أساس أن المشكلة القائمة في الصحراء الغربية, هي بالنسبة لهم قضية صراع بين المملكة المغربية وجبهة (البوليساريو), سببه الاحتلال المغربي للصحراء الغربية, وليست الجزائر طرفاً في ذلك النزاع الذي يدخل في نطاق استكمال عملية تصفية الإستعمار من الإقليم الصحراوي، كي يتمكن شعب هذا الإقليم من تحقيق استقلاله, وتقرير مصيره بنفسه.. ونزاع الصحراء الغربية, من وجهة نظر الجزائر, يشكل حقيقة دولية لا يستطيع المغرب تجاهلها, طالما اعترف العالم للشعب الصحراوي بحقه في السيادة والاستقلال. من هنا يأتي وقوف الجزائر إلى جانب الحق والعدالة في قضية الصحراء الغربية ضمن الإطار الدولي, وذلك انسجاماً مع مبادئها الثورية الراسخة ومواقفها المبدئية. وانطلاقاً من هذا- ودائماً بحسب المنطق الجزائري- يجب إعطاء شعب الصحراء الغربية حقه الكامل في الاستقلال, كما تنص على ذلك قرارات المجتمع الدولي (..) ومن جهتها ترد جبهة (البوليساريو) على الاتهام المغربي بعدم شرعية دولتها؛ بالقول إن (الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية) إنما تقوم على كافة الأركان القانونية والشرعية التي تقوم عليها بقية دول العالم.. فللدولة الصحراوية دستور علماني حديث, وبنية سياسية وإدارية تمارس من خلالها سلطاتها كاملة, وبمنتهى الاستقلالية من فوق ترابها الوطني.. وإن تنظيمها الإداري والسياسي يستقطب الغالبية من أبناء الشعب الصحراوي, ولها حدود دولية معترف بها عالمياً, وكذلك تحظى الدولة الصحراوية بمكانة دولية محترمة؛ حيث يعترف باستقلالها أكثر من سبعين دولة تنتمي لمناطق جيوسياسية مختلفة, ولها علاقات جيدة مع العديد من الدول التي لا تعترف بها رسمياً. كما وتتمتع الجمهورية الصحراوية بعضوية كاملة في منظمة الوحدة الإفريقية, وتلاقي التقدير والاحترام من كافة المنظمات والهيئات الدولية.. ويتابع صحراويو (البوليساريو) القول؛ إنه وعلى الرغم من الجهود المبذولة لاستكمال سيادتها الوطنية, واسترجاع المحتل من أراضيها, تعمل الحكومة الصحراوية بنفس القدر من المسؤولية والتصميم على تأمين جميع احتياجات مواطنيها, وفي مقدمتها توفير التعليم والصحة للجميع (..)

 الفصل الرابع

           رأي محكمة العدل الدولية

         حاولت إسبانيا تنظيم استفتاء تقرير المصير في إقليم الصحراء الغربية برعاية الأمم المتحدة. وقد عارضت المملكة المغربية هذا الإجراء بشدة؛ بحجة أنه سيكون استفتاءً (مزيفاً)! تريده إسبانيا كي تعيق من خلاله عملية تحقيق الوحدة الترابية للمغرب, وخلق دولة صحراوية في الإقليم المذكور تكون (دمية) بين يديها تحركها كيفما تشاء!. وأصرت المملكة المغربية بالتفاهم مع الحكومة الموريتانية, على إحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية للبت فيها.

    وفي الثالث عشر من كانون الأول (ديسمبر) 1974, اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 3292(29) القاضي بعرض مشكلة الصحراء الغربية على محكمة العدل الدولية في لاهاي لبيان رأيها الاستشاري حول مسألتين هما:

     - ( هل كانت الصحراء الغربية قبل الإستعمار الإسباني أرضاً لا مالك لها (بلا سيد) TERRA NULIUS ؟).

     – (ما هي الروابط القانونية بين هذا الإقليم وبين المملكة المغربية, والمجموعة الموريتانية؟).

(..) وأمام المحكمة الدولية كان على كل من المغرب وموريتانيا أن يقدما ما لديهما من وثائق تثبت صحة إدعاءاتهما .. فالمغاربة يدعون أن لهم حقوقاً تاريخية في الإقليم الصحراوي (..) بينما يعتبر الموريتانيون أنهم وشعب الصحراء الغربية يشكلون شعباً واحداً, وبناء عليه فهم يطالبون بإلحاق جنوب الصحراء الغربية بدولتهم!.

    أما جبهة (البوليساريو) التي تسخر من هذه الإدعاءات, وتطالب بحق شعب الصحراء الغربية في تقرير مصيره بنفسه, فقد كانت غائبة رسمياً عن مداولات المحكمة الدولية, لعدم تمتعها بصفة الدولة (..) وتركزت مرافعات الجانب المغربي على مجموعة من الحجج؛ أبرزها:

     – وجود رابطة (البيعة) بين السلطان المغربي, وبين سكان الصحراء الغربية.

     – تسمية القادة الصحراويين كانت تتم من قبل سلطان المغرب.

     – الحماية العسكرية المغربية لقبائل (تكنة) الصحراوية.

     – مقاومة المغرب للوجود الإستعماري في الصحراء الغربية.

     – الشيخ ماء العينين (أحد القادة الصحراويين المقاومين للإستعمار الاسباني) كان يعمل في الساقية الحمراء ممثل للسلطان, وهو ما لم تأخذ به المحكمة دليلاً على وجود سلطة فعلية للسلطان في الإقليم الصحراوي.

     – جباية الضرائب من إقليم الصحراء الغربية, لكن المحكمة لم تقع على الدليل الواضح بهذا الشأن.

     – حملات السلطان العسكرية في المنطقة الجنوبية من سوس عامي 1882 و 1886. وقد رأت المحكمة أن حملات سلاطين مراكش على سوس في تلك الفترة لم تصل وادي درعة؛ وبالتالي إلى الصحراء الغربية.

     – الإمتداد الجغرافي الطبيعي بين المغرب والصحراء الغربية.

     – وجود روابط قومية, وثقافية, ودينية بين سكان المغرب, وسكان الصحراء الغربية.

    ومن شواهد الإثبات الداخلية, ينتقل المغرب إلى حجج الإثبات الدولية؛ والمتمثلة بعددٍ من المعاهدات والإتفاقيات الموقعة بين المغرب وبعض الدول الأجنبية خلال فترة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر, والتي قدمها المغرب إلى المحكمة الدولية بإعتبارها ذات صلة بإقليم الصحراء الغربية, وتشكل مستنداً بإعتراف دولي بسيادته على ذلك الإقليم. وقد صنفت المحكمة هذه الوثائق على الشكل التالي:

     – معاهدات موقعة مع المغرب, وتتعلق بحماية وتحرير البحارة الذين تتعرض سفنهم للغرق على الشواطئ القريبة من وادي نون؛ ومثالها الإتفاقية المغربية- الإسبانية المبرمة عام 1767, والتي تؤكد على سيادة السلطان المغربي على وادي نون, لكنها لا تتضمن ما يمكن الاستدلال به على سلطة مغربية على الصحراء الغربية.

     – الاتفاقية المغربية – الانكليزية الموقعة عام 1895, والتي تقر بإعتبار الإقليم الممتد من وادي درعة وحتى رأس بوجدور جزءاً من الدولة المراكشية, لكن المحكمة لم تأخذ بهذا الرأي لتعارضه مع وثائق ديبلوماسية وصلتها, توضح بأن الانكليز كانوا يعتبرون حدود الإقليم المشار إليه في الإتفاقية المذكورة لا تبعد أكثر من وادي درعة. وهنا أعطت المحكمة تأويلها في هذا الشأن, خلاصته أن بريطانيا العظمى لم تعترف للسلطان بسيادته, وإنما اعترفت له بمصالح حيوية في تلك المنطقة.

     – ثم تأتي المراسلات الديبلوماسية المتعلقة بمعاهدة (تطوان) الموقعة عام 1860, وكذلك الإتفاق المدعى إبرامه بين المغرب وإسبانيا عام 1900, والذي يقول المغرب عنه أن إسبانيا اعترفت له فيه بالسيادة حتى رأس بوجدور. هذا الإتفاق أنكرته إسبانيا, وشككت بوجوده موريتانيا. لذلك رفضت المحكمة الأخذ به.

     – المراسلات الملحقة بالإتفاق الفرنسي – الألماني الموقع عام 1911, يقدمها المغرب بإعتبارها تشكل اعترافاً من فرنسا وألمانيا بسيادته على منطقة الساقية الحمراء. وقد رأت المحكمة أن هذه المراسلات لها علاقة بتحديد مناطق المصالح السياسية لفرنسا, وإذا ما أخذت كحجة تتعلق بسيادة المغرب على الساقية الحمراء فإن قيمتها تبقى ضئيلة.

وبعد استماع المحكمة الدولية إلى المرافعات الشفهية للأطراف المعنية, ودراسة وثائقهم المقدمة, أعطت رأيها

الإستشاري في السادس عشر من تشرين الأول (أكتوبر) 1975, وجاء في ستين صفحة, وحفل بالكثير من الآراء الشخصية لقضاة المحكمة.

    وحول السؤال الأول الموجه إليها, والمتعلق بوضع أرض الصحراء الغربية غداة الإستعمار الإسباني لها, وما إذا كانت أرضاً لا سيد لها, أجابت المحكمة بأن الصحراء الغربية؛ اعتباراً من عام 1884 لم تكن أرضاً سائبة, بل كانت مأهولة بالسكان الخاضعين لسلطة اجتماعية, وسياسية يمارسها عليهم شيوخ القبائل.

    وبشأن السؤال الثاني, حول طبيعة الروابط القانونية بين الصحراء الغربية وكل من المغرب وموريتانيا, ردت المحكمة الدولية؛ بالقول: (إن استنتاجات المحكمة حول طبيعة الروابط القانونية بين هذا الإقليم من جانب وبين كل من المملكة المغربية والمجموعة الموريتانية تختلف بشكل محسوس عن الآراء التي أدلى بها بهذا الشأن كل من المغرب وموريتانيا. ورأي المحكمة بهذه الروابط هو أنها لا تتضمن سيادة إقليمية, ولا حتى سيادة كلأ, ولا إحتواء إقليمي في إطار كيان شرعي. وعليه فإن  التداخل الجغرافي  المدعى به من قبل الدولتين ليس له بنظر المحكمة الصفة المعارة لها في الأقوال الآنفة الذكر).

    وأوضحت المحكمة الدولية: (إن التداخل  له تفسير بسيط واحد؛ هو المعالم الدالة على المدى الجغرافي لتنقل القبائل البدوية. وإذا كانت هذه المعالم تتقاطع وتتراكم كلياً أو جزئياً فهذا ليس سوى عامل الخيارات المتاحة في ظل تعقيد الوضع القائم بالصحراء الغربية أثناء فترة الإدارة الإستعمارية لها. والكلام عن  شمال وجنوب, وعن تداخل ينفي كل فراغ ضمني لا يكفي إذاً لبيان طبيعة التعقيد الحقيقية لهذا الوضع. التعقيد الذي زاد من تفاقمه واقع استقلال بعض القبائل البدوية, وبخاصة قبيلة الرقيبات, إحدى أهم قبائل الصحراء الغربية. وقد كان لها بالفعل روابط مع قبائل  بلاد الشنقيط ،  لكن قبيلة الرقيبات هذه كانت جماعة ذات إدارة ذاتية مستقلة في المنطقة المعنية. ومن منظور آخر ؛ هذا تقليل وإنقاص لتداخل العلاقات القانونية القائمة في تلك الحقبة بين الصحراء الغربية وبين الأقاليم المجاورة, إذا تجاهل , أو تغافل أحد عن أن يتذكر أن مجالات ومدى ارتحال بعض القبائل تجتاز أيضاً ما هو متعارف عليه في الوقت الحاضر أنه أراضي جزائرية).

    كما جاء في رد محكمة العدل الدولية في لاهاي: (إن العناصر, والمعلومات التي وصلت إلى علم المحكمة تدل على وجود روابط قانونية – في حقبة الإستعمار الإسباني – روابط (بيعة) بين سلطان المغرب, وبين بعض القبائل التي كانت أراضي الصحراء الغربية مداها الحيوي. وتدل أيضاً على وجود حقوق بما فيها الحق المتصل بالأرض, كانت تشكل روابط قانونية بالمعنى الذي تفهمه المحكمة بين المجموعة الموريتانية, وبين إقليم الصحراء الغربية. وبالمقابل؛ تستنتج المحكمة أن العناصر والمعلومات المنقولة إلى علمها لا تشكل وجود أي رباط سيادة إقليمية بين إقليم الصحراء الغربية من جهة, وبين المملكة المغربية, أو المجموعة الموريتانية من جهة ثانية. فالمحكمة إذاً لم تعتبر وجود الروابط القانونية المشار إليها ذات طبيعة كافية لتغيير تطبيق القرار الأممي رقم   1514(15) من جهة تصفية استعمار الصحراء الغربية, وبخاصة من جهة مبدأ حق تقرير المصير عن طريق التعبير الحر والشرعي عن إرادة سكان الإقليم).

    وقد اعتبرت جميع أطراف المشكلة رأي محكمة لاهاي الإستشاري لصالحها..  ففي المغرب؛ وفور إعلان المحكمة الدولية عن رأيها هذا, سارع الملك إلى توجيه خطاب مفعم بالوطنية والعاطفة إلى شعبه (..) أعرب لهم فيه عن سعادته البالغة بهذا الحكم الإيجابي الذي يعترف بوجود روابط قانونية بين المغرب, وبين سكان الصحراء الغربية.. وبعد انتهاء الملك من خطابه, طافت جموع المغاربة من الرجال والنساء والأطفال الشوارع العامة في مسيرات فرح بـ (النصر) الآتي إليهم عبر رأي محكمة لاهاي.

    ويشرح المغاربة مفهوم (البيعة) الوارد في رأي المحكمة الدولية, بأنه نوع من الولاء, كان قائماً بين القبائل الصحراوية, وبين سلطان المغرب. ويعتبر من أشكال التعاقد الدستوري بين السلطان ورعاياه. وهو مستمد من شريعة الإسلام, ومن الأعراف والتقاليد العريقة التي ارتكزت عليها الدولة المغربية في بسط سلطتها. وكانت (البيعة) وسيلة في ممارسة السلطات السياسية العليا في الدولة المغربية, وهي تختلف كلياً عن المفهوم الغربي للسيادة, لكنها مساوية له تماماً من حيث الممارسة العملية (..) وكانت محكمة لاهاي قد أخذت بالاعتبار تلك الخاصية؛ فقد ورد في الفقرة 94 من رأيها الإستشاري ما يلي: (ليست هناك أية قاعدة في القانون الدولي – حسب رأي المحكمة – تقضي أن يكون هيكل الدولة على نمط معين, وهذا واضح من تنوع أشكال الدولة في عالم اليوم. وعلى هذا؛ فإن مطلب المغرب له ما يبرره). وتأتي الفقرة 95 من رأي المحكمة الدولية لتعطي فكرة أوضح حول هذا الموضوع, ومما جاء فيها: (من المؤكد أنه في الوقت الذي استعمرت فيه إسبانيا الصحراء الغربية كان للدولة الشريفية – دولة المغرب – طابعها الخاص. وهذا الطابع الخاص كان ينبع من حقيقة أن هذه الدولة كانت مؤسسة على رابطة الإسلام الدينية, التي كانت توحد بين السكان. وكذلك على أساس ولاء القبائل المختلفة للسلطان عبر القادة والشيوخ أكثر منها على أساس مفهوم الأرض).

    وهنا يبدو الاختلاف جلياً بين المفهومين الغربي والمغربي لمعنى السيادة, فهي في قوانين البلدان الغربية المؤسسة على القانون الروماني تأخذ شكل سيادة ترابية, ترتبط الدولة فيها بالأرض الوطنية مباشرة. بينما هي في الدولة المغربية تعني سيادة شخصية, حيث يقدم السكان ولاءهم عبر ما يعرف بالبيعة لصاحب السيادة ممثلاً بشخص السلطان, ويقبلون فيها بالخضوع لسلطاته السياسية, والدينية, ويكون تأثيره بالأرض من خلال تأثيره في السكان المقيمين عليها.

    الفصل الخامس

    المسيرة الخضراء

(..) كانت فكرة (المسيرة الخضراء) قد راودت مخيلة الملك المدهشة, وهو في استراحة تأمل بمدينة (فاس) العريقة, ولم يضيع الكثير من الوقت من أجل تجسيدها إلى واقع, إذ سرعان ما أعد بنفسه لكل ما يتعلق بها سراً.. فشكل لجاناً إدارية, وأخرى عسكرية, ونظم الكوادر الطبية والتموينية, وحشد لإنجاحها إمكانيات مادية ضخمة. وتم تدريب المتطوعين المشاركين فيها مدة حوالي ثلاثة أسابيع في قاعدة (ابن جرير) العسكرية, كي يكتسبوا اللياقة البدنية المطلوبة التي تؤهلهم القيام بتلك الرحلة الصحراوية الشاقة, وتحمل متاعبها.

    وقد مهد الملك للمسيرة الخضراء بإجراء سلسلة من الاتصالات السياسية المكثفة مع قادة العديد من دول القرار العالمي, وفي طليعتهم قادة فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. شارحاً لهم حقيقة وأهداف مسيرته الخضراء المنوي القيام بها..

    وملك المغرب؛ هو سياسي بارع, يعرف بدقة كيف يستفيد من أبسط المعطيات المتوفرة لديه, وتحويلها إلى إنجازات كبرى. فقد استغل في رد محكمة العدل الدولية عبارة (البيعة), وفرض فهمه لها على أنها تقابل معنى (السيادة). ووظف المصطلح بمهارة فائقة كأساس حقوقي في تشريع مبدأ (المسيرة الخضراء), وإعطائها الصفة القانونية (..) وفي الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر)  1975انتقل الملك المغربي من قصر (الدار البيضاء) بمراكش إلى (آغادير), التي أصبحت مقر قيادته الميدانية, ومركز تجمع المتطوعين, ونقطة إنطلاقهم (..) أما على الجانب المغربي, فكان الملك الحسن الثاني قد أوصى المشاركين بالمسيرة الخضراء قبل انطلاقها؛ بالقول: (إذا لقيتم إسبانياً, عسكرياً كان أم مدنياً, فصافحوه وعانقوه, وأدعوه إلى خيمتكم يشارككم طعامكم وشرابكم.. فليس بيننا وبين الإسبان غل ولا حقد. ولو أردنا أن نحارب الإسبان لما أرسلنا الناس عزلاً, بل لأرسلنا جيشاً باسلاً, ولكننا لا نريد أن نقتل ولا أن نسفك الدماء.. فإن أطلقوا عليك ناراً فتسلح بإيمانك, وتابع مسيرتك فلن ترى إلا ما يرضيك).

    والملك الذي هو أذكى من أن يغامر بإرسال عدد ضخم من مواطنيه المدنيين العزل لإحتلال صحراء متأججة بنار الحرب. وما كان ليفعل ذلك لولا يقينه الأكيد بأن الإسبان – محتلي المنطقة الأقوياء – لن يتدخلوا ضد المسيرة الخضراء أبداً (..) وعلى خط مواز آخر, تمكن المغاربة من الحصول على مكسب هام على صعيد تشريع مطالبتهم بالصحراء الغربية, وذلك عبر اجتذابهم للسيد خطري بن سعيد الجماني, رئيس (الجماعة) – البرلمان الصحراوي – وإقناعه بالوقوف إلى جانب المملكة المغربية, وتبني سياستها المتعلقة بقضية الصحراء الغربية (..) وفي أجواء من الترقب القلق, ألقى الملك الحسن الثاني خطاباً, في الخامس من تشرين الثاني (نوفمبر) 1975, عبر محطتي الإذاعة والتلفزيون المغربيتين, أعلن فيه عن موعد انطلاق المسيرة صباح اليوم التالي, وطلب إلى الحشود إطاعة أوامر المسؤولين المكلفين بتسييرها.. وفي الموعد المحدد؛ انطلقت أفواج (المسيرة الخضراء) يتقدمها الوزير المغربي الأول السيد أحمد بن عصمان, ورئيس (الجماعة) السيد خطري بن سعيد الجماني, وتتألف من 350 ألف شخص, تشكل النساء من بينهم نسبة عشرة بالمئة. ورفع الجميع المصاحف الشريفة, والأعلام المغربية, والرايات الخضراء, وهم ينادون بشعارات وحدة التراب الوطني. وبقليل من المسير دخلوا الحدود الصحراوية, واقتحموا مراكز الشرطة والجمارك الإسبانية. التي كان الإسبان قد أخلوها قبل عدة أيام (..) وبعد ساعات قليلة من انطلاق (المسيرة الخضراء), وردت إلى الملك الحسن الثاني برقية احتجاج من رئيس مجلس الأمن الدولي, يطلب إليه فيها وقف المسيرة فوراً, وسحب جميع عناصرها من أراضي الصحراء الغربية.. وببرود رد عليه الملك قائلاً: إن المسيرة قد انطلقت فعلاً, ولا يمكن إيقافها.. ثم زحف الجيش الملكي المغربي, واحتل الثكنات العسكرية الإسبانية المنتشرة في مدينة السمارة الصحراوية ومحيطها, وعلى طول الطريق الواصل بين العاصمة العيون وتندوف على الحدود مع الجزائر, بعد أن تركها الجيش الإسباني, وتمركز في تجمعات بعيدة عنها.

    وإلى جانب تنديد إسبانيا الظاهري بـ (المسيرة الخضراء), وتدخل مجلس الأمن الدولي لوقفها, شنت الجزائر حملة إعلامية وديبلوماسية شرسة ضد (العدوان المغربي) على حرمة الأراضي الصحراوية. وساندت بقوة تحرك جبهة (البوليساريو) النشيط في المحافل الدولية, للضغط على الحكومة المغربية, وإجبارها على سحب حشودها المدنية, وجيشها المقاتل من أراضي الصحراء الغربية, تمهيداً لوضع الترتيبات اللازمة لتنفيذ قرار (تصفية الإستعمار) الأممي؛ حسب ما نص عليه رأي محكمة العدل الدولية في لاهاي (..) وفي العاشر من تشرين الثاني (نوفمبر) قدم إلى مدريد الوزير المغربي الأول (رئيس الوزراء) أحمد عصمان على رأس وفد رسمي رفيع المستوى, يصحبه وفد موريتاني برئاسة وزير خارجة موريتانيا حمدي ولد مكناس. وبعد ثلاثة أيام من المفاوضات الهادئة بين المغاربة والموريتانيين والأسبان,  وصلت الأطراف الثلاثة إلى اتفاق قسمت بموجبه أراضي الصحراء الغربية ما بين المغرب وموريتانيا.. وفور موافقة ولي عهد إسبانيا (الدون خوان كارلوس) على الاتفاق المذكور, صدر بيان مشترك عن المجتمعين في الواحد والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) 1975, أعلن من خلاله نص اتفاق مدريد الثلاثي؛ والذي يتلخص بالمبادئ الأساسية التالية:

     – تأكيد إسبانيا قرارها بتصفية الإستعمار في الصحراء الغربية. وذلك بوضع حد للمسؤوليات, والسلطات التي تتولاها في هذا الإقليم؛ بإعتبارها الدولة المتصرفة.

     – شروع إسبانيا فوراً في إقامة إدارة مؤقتة في الإقليم بمشاركة المغرب, وموريتانيا, وتعاون مع (الجماعة), وتسليمها المسؤوليات, والسلطات المشار إليها سابقاً, والإتفاق على تعيين حاكمين أحدهما مغربي والآخر موريتاني لمعاونة الحاكم العام للإقليم في مهامه, على أن ينتهي الوجود الإسباني في الإقليم فعلياً ونهائياً قبل يوم الثامن والعشرين من شباط (فبراير) 1976.

     – احترام رأي سكان الصحراء الغربية المعبر عنه من خلال (الجماعة).

     – إخبار الأمين العام للأمم المتحدة بما هو مقرر في هذه الوثيقة.

     – تصريح الدول الثلاث, أنها توصلت إلى النتائج المذكورة, مدفوعة بروح التفاهم, واحترام مبادئ الأمم المتحدة,  مساهمة منها في حفظ السلام والأمن..

     – تدخل هذه الوثيقة حيز التنفيذ بمجرد نشرها في الجريدة الرسمية الإسبانية.

    وفور تصديق البرلمان الإسباني (الكورتيس) على المعاهدة, تم نشرها في الجريدة الرسمية الإسبانية. وأرسلت نسخة عنها إلى منظمة الأمم المتحدة لتحفظ في سجلاتها كوثيقة دولية. كما وافق عليها رئيس (الجماعة) خطري الجماني, رغم معارضة غالبية أعضائها (..) وقد رد على رئيس (الجماعة) نائبه مع سبعة وستين عضواً من أصل 101 هم كامل عدد أعضاء (الجماعة), وأعلنوا في اجتماع عقدوه في منطقة (كلتة زمور) الصحراوية يوم الثامن والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) 1975, عن إدانتهم لإتفاق مدريد الثلاثي, وانضمامهم جميعاً إلى جبهة (البوليساريو), وحل (الجماعة) (..) وبما أن قرارات الأمم المتحدة هي دائماً انعكاسا لإرادة أقويائها, فقد جاء قرارها المتعلق بالقضية الصحراوية متناقضاً, عندما تبنى مطالب الخصمين. حق تقرير المصير لشعب الصحراء الغربية؛ حسب ما تطالب به (البوليساريو). والإعتراف بإتفاق مدريد الثلاثي؛ كما يريد المغرب وموريتانيا.. وهذا القرار كان نتيجة تصادم قوتين مهيمنتين على المنظمة الأممية. فالجزائر؛ ومعها (الاتحاد السوفييتي), ودول الكتلة الإشتراكية فرضت تثبيت حق تقرير المصير. بينما فرضت الولايات المتحدة الأمريكية, وفرنسا الاعتراف بإتفاق مدريد الثلاثي.

الفصل السادس

(البوليساريو) تشهر دولتها

    قبل يوم واحد فقط على انتهاء الوجود الإستعماري الإسباني رسمياً في الصحراء الغربية, وانتقال كامل سلطاته إلى حكومتي المغرب وموريتانيا؛ طبقاً لما ينص عليه اتفاق مدريد الثلاثي, أقدمت جبهة (البوليساريو) على إعلان قيام (الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية) في السابع والعشرين من شباط (فبراير) 1976 بمنطقة (بئر الحلو) الصحراوية, القريبة من الحدود مع موريتانيا.

    وقد أذاع السيد الولي مصطفى السيد – أمين عام جبهة (البوليساريو), وأول رئيس للجمهورية الصحراوية الوليدة –  بيان مولد دولة الصحراء الغربية (..) وأقر للجمهورية الصحراوية الوليدة دستور مؤقت, وشكلت لها حكومة, ومجلس وطني مؤقت (..) لقد هدفت جبهة (البوليساريو), من وراء إعلان قيام دولتها, أن لا تترك البلاد عرضة للفراغ الإداري, والدستوري, الذي قد يشرع لاتفاق مدريد الثلاثي, بعد رحيل المستعمرين الإسبان عنها (..) أما المغرب, الذي بالغ في التقليل من أهمية وشأن (البوليساريو), فقد صدم بالوضع المستجد في الصحراء الغربية, وأتهم الجزائر بصنع تلك (الدولة الوهمية, التي لا وجود لها إلا في الأحلام!!) على حد تعبير المسؤولين المغاربة.. والحقيقة؛ هي أن الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية قد أعلنت بالفعل, والإعترافات الدولية بها بدأت تتوالى.

الفصل التاسع

الولي مصطفى السيد

    ظهر القائد الصحراوي الشاب (الولي مصطفى السيد) كظاهرة فريدة في تاريخ الشعب الصحراوي.. فقد فجر (ثورة الكفاح المسلح) في العشرين من أيار (مايو) 1973 ضد سلطات الإستعمار الإسباني في الصحراء الغربية. وقاد أول عملية عسكرية ضد قواتهم في موقع يدعى (الخنقة), ومنه أخذت المعركة الشهيرة اسمها. وأطر عمل المقاومة الصحراوية ضمن تنظيمات سياسية وعسكرية, كانت الأساس لكيان دولة أعلنها مع بدء انتهاء التواجد الإستعماري الإسباني في الصحراء الغربية. وأصبح أول رئيس لأول جمهورية عرفتها الصحراء الغربية, قبل أن يلقى حتفه في واحدة من سلسلة عمليات عسكرية قادها بنفسه, وهو رئيس جمهورية! وكانت تلك العملية داخل العاصمة الموريتانية (نواكشوط). ومعها انتهت حياته المليئة بالمغامرات المنظمة, وهو في ريعان شبابه, لا يتجاوز الثامنة والعشرين من عمره.

    ولد السيد الولي مصطفى السيد عام 1948 في منطقة صحراوية تقع ما بين (بئر الحلو) و (اكجيجمات) لعائلة بدوية متنقلة. وقد طردت أسرته من تلك المنطقة عام 1960 بسبب تمردها على سلطات الإستعمار, حيث نزحت شمالاً لتستقر في الجنوب المغربي. وهناك درس الولي مصطفى في مدرسة (طنطان) الابتدائية (..) في عام 1966 انتسب إلى معهد التعليم الأصلي والشؤون الدينية في (تارودانت), ثم تابع دراسته الثانوية بالرباط. بعدها التحق عام 1970 بكلية الحقوق في جامعة محمد الخامس (..) وفي الجامعة استهواه العمل السياسي, وأثار عام 1971 قضية الصحراء الغربية لأول مرة في تجمع طلابي بالرباط. وقاد العديد من التظاهرات السياسية احتجاجاً على التواجد الإستعماري في بلاده. واعتقل أكثر من مرة لإثارته الشغب.

    اتصل عام 1972 بجبهة التحرير الوطني الجزائرية, وطلب منها الدعم لمحاربة المستعمرين الإسبان, ثم هجر جامعته, والتجأ إلى الجبال مع مجموعة من الطلبة الصحراويين (..) وقد تكشفت مواهب الولي مصطفى في مجال التفاوض, بعد لقاءاته المتكررة مع الحاكم العام الإسباني في الصحراء الغربية, وتفاوضه مع وزير خارجية اسبانيا في أيلول (سبتمبر) 1975, وتوصل وإياه إلى اتفاق سلام تعهدت بموجبه جبهة (البوليساريو) بوقف عملياتها الحربية ضد القوات الإسبانية, وتسليم أسرى الحرب لديها, في مقابل التزام اسبانيا بمنح الصحراويين استقلالهم, ومعارضة أي مطالب غير مشروعة في الإقليم الصحراوي من أي دولة أخرى. لكن سرعان ما تراجعت اسبانيا عن تعهداتها تلك, ووقعت مع المغرب وموريتانيا اتفاق مدريد الثلاثي!! (..) لقد عاش السيد الولي مصطفى السيد حياة المناضل الثائر بحالتها الصادقة.. فكان وهو في موقع رأس الدولة يعمل من وسط القاعدة الشعبية, ويعتبر أن واجبه يحتم عليه أن يكون دائماً في مقدمة جنوده في ميادين القتال. وأن مكانه الطبيعي إنما هو في أكثر الأماكن صعوبة, وأشدها خطورة. وقد دفع حياته ثمناً لهذا المبدأ (..)

   الفصل الحادي عشر

    اتفاقية السلام الموقعة بين الحكومة الموريتانية وجبهة (البوليساريو)

(..) بعد مفاوضات, توصل الوفدان (الموريتاني والصحراوي) إلى الاتفاق على ما يلي:

1- اعتباراً لإرتباط الطرفين الموريتاني والصحراوي بمبادئ ومواثيق منظمتي الوحدة الإفريقية, والأمم المتحدة المتعلقة بحق الشعوب في تقرير مصيرها, واحترام الحدود الموروثة عن الإستعمار.

2- اعتباراً لإرادة الطرفين الصريحة في إقامة سلام عادل ودائم بين الجمهورية الإسلامية الموريتانية وجبهة (البوليساريو), وفقاً لمبادئ التعايش السلمي, والاحترام المتبادل, وحسن الجوار.

3- اعتباراً للضرورة الملحة لدى الطرفين في إيجاد حل شامل ونهائي للنزاع يضمن للشعب الصحراوي كل حقوقه الوطنية, والسلام والاستقرار في المنطقة:

1- (أ) – تعلن الجمهورية الإسلامية الموريتانية رسمياً, أنه ليس لديها, ولن تكون لها مطالب ترابية, أو غيرها في الصحراء الغربية.

    (ب)- تقرر الجمهورية الإسلامية الموريتانية الخروج نهائياً من حرب الصحراء الغربية غير العادلة, وفقاً للإجراءات المحددة في الاتفاق المشترك مع ممثل الشعب الصحراوي؛ جبهة (البوليساريو).

2- تعلن جبهة (البوليساريو) رسمياً, أنه ليس لديها, ولن تكون لها مطالب ترابية, أو غيرها في موريتانيا.

3- جبهة (البوليساريو)؛ باسم الشعب الصحراوي, والجمهورية الإسلامية الموريتانية, تقرران حسب الإتفاق الحالي توقيع سلام نهائي بينهما.

4- اتفق الطرفان على عقد لقاءات دورية بهدف تطبيق الإجراءات المعلن عنها في الفقرتين (أ) و (ب).

5-  يقوم الطرفان بتبليغ هذا الإتفاق مباشرة بعد توقيعه إلى الرئيس الحالي لمنظمة الوحدة الإفريقية, أعضاء لجنة الحكماء, الأمينين العامين لمنظمتي الوحدة الإفريقية والأمم المتحدة, وكذلك إلى الرئيس الحالي لمنظمة بلدان عدم الإنحياز.

     وقع في الجزائر في 5 آب (أغسطس) 1979 (..)

الفصل الخامس عشر

الأمم المتحدة .. ومشكلة الصحراء الغربية

    (..) المؤكد في حقيقة قضية نزاع الصحراء الغربية؛ هو أن الأمم المتحدة بما أتخذته من قرارات هامة و(منصفة) على صعيد حل تلك المشكلة؛ قد مارست بالمقابل في غالب الأحيان دوراً هزيلاً, لا ينسجم وطبيعة مهمتها كحكم عادل بين المتصارعين.. إذ كثيراً ما سيطرت الضبابية على تصرفاتها أثناء معالجتها للمشكلة الصحراوية. وذلك بمحاباتها الطرف القوي؛ ممثلاً بالمغرب, على حساب الطرف الأضعف؛ ممثلاً بجبهة (البوليساريو). ولم تكن المنظمة الأممية على استعداد لأن تفرض على المغرب ما لا يريد, بينما كان الأمر مختلفاً تماماً مع الجانب الصحراوي.. وقد أعطت جهود السلام الأممية الإنطباع بأن جبهة (البوليساريو) إنما هي موجودة ليس كطرف شريك وفاعل, بل بإعتبارها مانحة تنازلات لغريمها القوي..

    وتبقى الشفافية, والعدالة؛ هي مبادئ أساسية لا من توافرها إن أريد النجاح لعملية السلام في الصحراء الغربية. ولضمان تحقيق ذلك؛ لا بد من حيادية الأمم المتحدة, وتجردها, ومعاملتها الجميع بسوية واحدة, ودون تمييز.

    إن نزاع الصحراء الغربية قد طال أمده, والشعب الصحراوي ما زال يعاني القسوة, والبؤس بدرجاته الصعبة.. فالحرمان, والإهمال التي يعيشهما تعطي الدليل الساطع على أن الحق والعدالة في تلك المنطقة من أفريقيا هما أسيران للعبة مصالح سياسية دولية!!!..))